فخر الدين الرازي
42
تفسير الرازي
وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت . حجة الجمهور : أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مزوجة ، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة . ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : " بيع الأمة طلاقها " وحجة أبي كعب / وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله : * ( إلا ما ملكت أيمانكم ) * وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله : * ( كتاب الله عليكم ) * وفيه وجهان : الأول : أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله : * ( حرمت عليكم ) * يدل على معنى الكتبة فالتقدير : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله ، ومجئ المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره * ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله ) * ( النمل : 88 ) الثاني : قال الزجاج : ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون " عليكم " مفسرا له فيكون المعنى : الزموا كتاب الله . ثم قال : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم * ( وأحل لكم ) * على ما لم يسم فاعله عطفا على قوله : * ( حرمت عليكم ) * والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على * ( كتاب الله ) * يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها . المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة . إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها . الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " وهذا خبر مشهور مستفيض ، وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني : من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة ، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فإنه قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة " إن " وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط . الثالث : أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه " فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد